عبد الملك الجويني
18
نهاية المطلب في دراية المذهب
فصل قال : " ولا أرد شهادة الرجل من أهل الأهواء ، إذا كان لا يرى أن يشهد لموافقه بتصديقه وقبول يمينه . . . إلى آخره " ( 1 ) . 12132 - قال الفقهاء الذين [ شَدَوْا ] ( 2 ) طرفاً من الأصول : إذا كفّرنا المعتزلة ، ومن شابههم من أهل الأهواء ، رددنا شهادتهم ، وإن ضلّلناهم ، لم نرد شهادتهم ، والقول في التكفير ، والتبرؤ ( 3 ) ليس بالهين ، وما ذكره الأصحاب من أن من يكفو تردّ شهادته صحيح ، ونقل العراقيون أن الشافعي كفّر من قال بخلق القرآن ، وهذا أهونُ بدعة ابتدعها المعتزلة . وكان شيخي ردّ شهادة الوقّاعين في أعراض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويجعل المتعرضين [ لعائشة ] ( 4 ) قذفَةً مردودين ، فإن منزلتها لا تنحط عن منزلة محصنةٍ من حرائر المسلمين ، وقد سماها الله تعالى محصنة ، فقال : { الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ . . . } [ النور : 23 ] . وأنا أقول : لا سبيل إلى تكفير المعتزلة ومن في معناهم من أهل الأهواء ، وقد نص الشافعي في مجموعاته على قبول شهادتهم ، وما نقل عنه من تكفيرهم ، فهو محرّف ، وظني الغالب أنه ناظر بعضهم ، فألزمه الكفرَ عن حجاج ، ولم يحكم بكفره ، وإذا كان كذلك ، فسبيلهم في الشهادة كسبيل غيرهم ، فينظر إلى العدالة والثقة والمروءة ، كما سبق تقريره . وقد قال الشافعي : النفسُ بقَوْلِ من يقول : " الكذب يوجب الخلود في النار " أوثق ( 5 ) .
--> ( 1 ) ر . المختصر : 5 / 256 . ( 2 ) في الأصل : " شهدوا " . ( 3 ) في الأصل : " والتبرّي " ، من تبرى ، بالقصر . وهو مصدر قياسي . ( 4 ) تقدير منا مكان كلمة مطموسة تماماً . ( 5 ) المعنى أن من أهل الأهواء والبدع من يقول بأن الكذب شرك بالله يوجب الخلود في النار ، فمثل هذا إذا شهد تكون النفس أوثق بشهادته ، فبدعته أكبر رادعٍ له عن الكذب .